اختيارات Ahmed Choices
حكاية من موريشيوس

الرجلُ الذي صارَ جبلاً

على قمة "بيتر بوث" صخرةٌ كأنها رأسُ رجلٍ يرقب البحر.

بقلم أحمد آل سالم

إذا وقفتَ في بورت لويس ورفعتَ بصرك نحو الجبال، رأيتَ على أعلى قمة في سلسلة موكا صخرةً مستديرة، كأنها رأسُ رجلٍ يمدّ عنقه نحو البحر. يسمّونه جبل "بيتر بوث"، على اسم حاكم هولندي غرقت سفينته قرب الجزيرة. أما أهلها فلهم مع الصخرة حكاية أخرى.

يقول المرشد، وهو يشير إلى القمة: كان في الجزيرة شابٌّ أحبّ فتاةً من قريته، فلما حان موسم الرياح ركبت البحر في سفينةٍ مسافرة، ووعدته أن تعود مع الموسم القادم. فصار الشاب يصعد كل صباح إلى أعلى قمة في الجزيرة، يجلس فوقها ويرقب الأفق، ينتظر شراعاً أبيض يعيدها إليه.

مرّ الموسم، ثم الذي بعده، ثم مواسم كثيرة. كفّ الناس عن سؤاله، وكفّ هو عن النزول. وفي صباحٍ ما، صعد إليه أهل القرية فلم يجدوه، ووجدوا مكانه صخرةً على هيئة رأسه، ما زالت تتطلع إلى البحر.

وفي الجزيرة رواية ثانية، عن بائع حليب نام على الجبل فرأى الجنيّات يرقصن تحت القمر، فأخذن عليه عهداً ألا يحكي، فلما حكى صار حجراً. ولكنّ قلبي يميل إلى حكاية العاشق، لأنها حكاية كل إنسان انتظر.

فالانتظار قصةٌ يعرفها البشر جميعاً. في فيتنام صخرةٌ يسمّونها "صخرة الزوجة المنتظرة"، وفي موريشيوس نفسها كتب برناردان دو سان بيير قصة "بول وفرجيني"، الشاب الذي انتظر حبيبته سنين، فعادت سفينتها لتغرق على مرأى منه. وفي قرانا بالسروات، كم من أمٍّ وزوجةٍ وقفت على سطح البيت الحجري ترقب الطريق الصاعد من تهامة، تنتظر غائباً خرج في طلب الرزق.

الجبال لا تنتظر أحداً،
لكنّ الذين يطول انتظارهم يصيرون جبالاً.
العودة إلى الصفحة الرئيسية